حسن النجار يكتب: من الجغرافيا إلى الصناعة إعادة تعريف قيمة الشراكة المصرية الصينية
الكاتب الصحفي والمفكر السياسي حسن النجار رئيس تحرير الوطن اليوم وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية الدولية
بقلم – حسن النجار
لم تعد التحولات المتسارعة في النظام الدولي تقتصر على إعادة تشكيل موازين القوة بين الدول، وإنما باتت تمتد إلى إعادة تقييم أدوارها ومواقعها وقدراتها، في عملية يمكن النظر إليها من خلال مفهوم «إعادة تسعير المكانة الدولية».
فلم تعد قيمة الدولة تقاس فقط بحجم ما تمتلكه من أدوات القوة التقليدية، وإنما أصبحت ترتبط بدرجة أكبر بالوظائف التي تستطيع القيام بها، وقدرتها على توظيف إمكاناتها داخل بيئة دولية متغيرة.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز الإصلاحات الهيكلية كونها مجرد أدوات للاندماج في الاقتصاد العالمي، لتصبح إحدى وسائل الحفاظ على مكانة الدولة وتعزيز قدرتها على حماية قرارها السيادي،
في ظل بيئة دولية شديدة التعقيد، تتغير فيها موازين المصالح ومصادر التأثير، وتتزايد فيها الضغوط على توجهات الدول وخياراتها السياسية والاقتصادية.
ولا تتوقف عملية إعادة التسعير عند مكانة الدول، بل تمتد أيضا إلى العلاقات التي تجمع بينها. فقد تحتفظ علاقة ثنائية بعناصرها الأساسية لسنوات طويلة، بينما تتغير قيمتها الاستراتيجية نتيجة التحولات التي تطرأ على البيئة الدولية المحيطة بها.

فالعلاقات الدولية لا يعاد تسعيرها باعتبارها كتلة واحدة، وإنما يعاد تقييم مكوناتها ووظائفها، ومع تغير قيمة هذه المكونات تتغير القيمة الإجمالية للعلاقة نفسها.
وهنا يظهر الفارق بين «إضافة القيمة» و«إعادة التسعير». فإطلاق مشروع جديد أو دخول استثمار جديد أو فتح مجال إضافي للتعاون يمثل إضافة مباشرة إلى العلاقة، بينما تحدث إعادة التسعير عندما تتغير البيئة التي تعمل داخلها عناصر قائمة بالفعل، فتتغير معها الوظائف المطلوبة منها،
وكذلك قدرتها على الاستجابة للتحولات الجديدة، بما يمنحها قيمة استراتيجية مختلفة عن تلك التي كانت تتمتع بها في مرحلة سابقة.
ومن هذه الزاوية، تبدو زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر ذات دلالة تتجاوز مجرد إضافة مجالات جديدة إلى الشراكة بين القاهرة وبكين، خاصة أنها تأتي بعد نحو عقد من زيارته السابقة إلى مصر.
وخلال هذه السنوات لم تتطور العلاقات المصرية الصينية فقط، وإنما شهد النظام الدولي نفسه تحولات عميقة أعادت ترتيب الأولويات، وأعادت تعريف قيمة عدد كبير من المواقع والقدرات والأدوار.
ويأتي الموقع الجغرافي المصري في مقدمة العناصر التي يمكن من خلالها فهم هذه العملية. فموقع مصر الذي يربط بين ثلاث قارات، إلى جانب قناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات التجارية والملاحية في العالم، كان حاضرا بالتأكيد في الحسابات الصينية منذ سنوات،
إلا أن قيمة الجغرافيا لا تتحدد بموقعها على الخريطة وحده، وإنما بقدرة الدولة على تحويل هذا الموقع إلى وظائف اقتصادية ولوجستية واستراتيجية، وبمدى حاجة البيئة الدولية إلى هذه الوظائف.
وخلال السنوات الماضية، عملت مصر على تطوير بنيتها الأساسية بصورة واسعة، من خلال تحديث شبكات الطرق والموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية، إلى جانب التوسع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس،
وهو ما عزز قدرة الدولة على توظيف موقعها الجغرافي. وفي الوقت نفسه، شهد الاقتصاد العالمي اضطرابات متزايدة في سلاسل الإمداد، وارتفع الاهتمام بأمن الممرات التجارية، كما اتجهت دول وشركات إلى تنويع مواقع الإنتاج والأسواق ومصادر الإمداد.
وبذلك، فإن إعادة تسعير الموقع المصري لا تعني تغير الموقع ذاته، وإنما تغير قدرته على أداء وظائف جديدة. فالموقع الذي ارتبطت أهميته تاريخيا بالعبور والربط بين الأسواق، بات يمتلك إمكانات أكبر للقيام بأدوار مرتبطة بالإنتاج والتصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير،
وهو ما يمنحه قيمة استراتيجية متزايدة في العلاقات المصرية الصينية، خاصة مع الاتجاه نحو توطين المزيد من الصناعات الصينية داخل مصر والاستفادة من موقعها للوصول إلى أسواق متعددة.
وينطبق الأمر ذاته على الاستثمار الصيني، الذي يمثل أحد المكونات الرئيسية للعلاقات الاقتصادية بين البلدين. فزيادة حجم الاستثمارات أو دخول شركات ومشروعات جديدة تضيف بالفعل قيمة إلى الشراكة،
إلا أن إعادة التسعير تبدأ عندما تتغير القيمة الاستراتيجية التي تستطيع مصر تحقيقها من هذه الاستثمارات، نتيجة تغير احتياجات الاقتصاد المصري، وتطور قدراته الإنتاجية، وتبدل البيئة الاقتصادية الدولية.
ففي عالم يشهد تنافسا متزايدا على التكنولوجيا والصناعة، واضطرابات متكررة في حركة التجارة وسلاسل الإمداد، لم يعد الاستثمار الأجنبي يقاس فقط بحجم التدفقات المالية التي يوفرها، أو بعدد فرص العمل التي ينتجها، وإنما أصبح مرتبطا أيضا بقدرته على تعزيز القاعدة الإنتاجية للدولة،
ونقل التكنولوجيا، وزيادة المكون المحلي، وتوسيع شبكة الموردين، وتوطين مراحل متقدمة من عملية التصنيع، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المحلية.

ومن هنا، يمكن فهم الرؤية المصرية الرامية إلى توطين المزيد من الصناعات الصينية باعتبارها تعبيرا عن تغير نوع القيمة المطلوبة من الاستثمار داخل العلاقة بين البلدين.
فالتطور الذي شهدته مصر في البنية الأساسية والمناطق الصناعية والاقتصادية يرفع من قدرتها على استيعاب أنشطة إنتاجية أكثر تقدما،
وهو ما يجعل السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات الصينية التي يمكن جذبها، وإنما بمدى مساهمة هذه الاستثمارات في بناء القدرات الصناعية والتكنولوجية المصرية.
وهذا التحول لا يلغي الوظائف التقليدية للاستثمار، مثل توفير رؤوس الأموال والمشروعات وفرص العمل، لكنه يضيف إليها بعدا استراتيجيا يرتبط ببناء قدرة إنتاجية أكثر استدامة، ونقل التكنولوجيا،
وتوطين الصناعة، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. وبذلك تصبح قيمة الاستثمار مرتبطة ليس فقط بحجمه، وإنما بنوعية الوظائف التي يؤديها داخل الاقتصاد.
ولا تقتصر عملية إعادة التسعير على الجوانب الاقتصادية، وإنما تمتد أيضا إلى القيمة السياسية للعلاقات المصرية الصينية، خاصة في ظل تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى خلال العقد الأخير. فالعلاقات بين القاهرة وبكين تطورت بصورة متدرجة دون أن تتحول إلى تحالف سياسي أو عسكري،
وفي الوقت ذاته حافظت مصر على علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والدول الغربية، إلى جانب علاقاتها العربية والإقليمية والدولية المتنوعة.
وفي بيئة دولية تتزايد فيها ضغوط الاستقطاب، يمكن أن تصبح هذه الاستقلالية في حد ذاتها أحد عناصر القيمة الاستراتيجية للعلاقة. فالدولة التي تستطيع الحفاظ على علاقات مؤثرة مع أطراف دولية متنافسة،
دون أن تفقد استقلالية قرارها، تمتلك مساحة أوسع للمناورة والحركة، وهو ما يجعل تنويع العلاقات الخارجية يتجاوز مفهوم التنويع التقليدي ليصبح جزءا من إدارة التوازنات الدولية.
ومن هذه الزاوية، فإن احتفاظ مصر بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب، بالتوازي مع تعميق شراكتها مع الصين، لا يمثل بالضرورة نقطة ضعف في العلاقة المصرية الصينية، وإنما يمكن أن يصبح أحد عناصر قوتها. فبالنسبة إلى الصين، تمثل العلاقة مع دولة عربية وأفريقية ذات وزن إقليمي،
وتتمتع بعلاقات واسعة مع دوائر دولية متعددة، قيمة تتجاوز حدود العلاقة الثنائية، بينما تمنح الشراكة مع بكين القاهرة خيارا إضافيا في إدارة مصالحها وتنويع أدواتها الخارجية.
وهكذا، فإن ما كان ينظر إليه في مرحلة سابقة باعتباره مجرد تنويع للعلاقات الدولية، تزداد أهميته في ظل النظام الدولي الأكثر استقطابا، ليصبح جزءا من القدرة على حماية استقلال القرار وتوسيع هامش الحركة.
فالمنافسة بين القوى الكبرى لا تعيد تسعير التحالفات فقط، وإنما تعيد أيضا تسعير الاستقلالية السياسية للدول، وقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع قوى متنافسة دون الانخراط الكامل في مسار دولي واحد.
وفي الحالات الثلاث، الموقع الجغرافي والاستثمار والاستقلالية السياسية، لا تحدث إعادة التسعير بصورة تلقائية نتيجة التحولات الدولية وحدها، كما أنها لا تنتج عن تطوير قدرات الدولة بمعزل عن البيئة المحيطة بها.
وإنما تتشكل القيمة الجديدة عند نقطة التقاء التحول الدولي مع جاهزية الدولة، حيث تخلق البيئة الدولية طلبا جديدا على مواقع وقدرات ووظائف معينة، بينما تحدد قدرات الدولة مدى قدرتها على الاستجابة لهذا الطلب وتحويله إلى مكاسب استراتيجية.

ومن هنا، فإن مرور نحو عشر سنوات بين زيارتي الرئيس شي جين بينج إلى مصر لا يوفر فقط فرصة لقياس ما تمت إضافته إلى العلاقات المصرية الصينية خلال هذه الفترة، وإنما يتيح أيضا إعادة النظر في قيمة العناصر التي كانت قائمة بالفعل داخل هذه العلاقة. فالموقع الجغرافي لمصر لم يتغير،
والاستثمار الصيني لم يبدأ مع الزيارة الحالية، كما أن استقلالية القرار المصري ليست نتاجا لمرحلة واحدة، لكن البيئة الدولية تغيرت، كما تغيرت قدرات مصر على توظيف هذه العناصر والاستفادة منها.
وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة من الشراكة المصرية الصينية لا ترتبط فقط بفتح مجالات جديدة للتعاون، وإنما بقدرة القاهرة وبكين على اكتشاف القيمة الاستراتيجية الجديدة لما تمتلكانه بالفعل. وهنا تحديدا يظهر مفهوم «إعادة التسعير» باعتباره مدخلا لفهم التحولات الجديدة في العلاقات الدولية؛
إذ قد لا يتغير العنصر نفسه، لكن تغير البيئة والوظيفة والقدرة على توظيفه يمكن أن يجعله أكثر قيمة وتأثيرا مما كان عليه في الماضي.
إن الشراكة المصرية الصينية، في هذا السياق، تبدو أمام فرصة للانتقال من مجرد توسيع مجالات التعاون إلى تعظيم القيمة الاستراتيجية لمكوناتها القائمة، سواء تعلق الأمر بالموقع المصري، أو بالاستثمارات الصينية، أو بالاستقلالية السياسية وقدرة القاهرة على الحركة بين دوائر دولية متعددة. ومن ثم،
فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بحجم ما سيضاف إلى العلاقة، وإنما بمدى قدرة الطرفين على إعادة توظيف ما يمتلكانه بالفعل بما يتناسب مع نظام دولي جديد تتغير فيه قيمة المواقع والقدرات والأدوار بصورة مستمرة.








